مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
288
تفسير مقتنيات الدرر
قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا » « 1 » فأضاف ما كان منهم إلى الشيطان فكيف يضيفه إلى نفسه بعد هذا ؟ وأمّا المعقول فهو أنّه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف ولو كان بفعل اللَّه لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم وقصرهم . قالوا : ولمّا كانت الآية مشتملة على فريقين : عاصية وهم الَّذين خالفوا ابن جبير وأخلَّوا الجبل ، وغير عاصية وهم الَّذين تثبّتوا معه ولم يفارقوه أدّب اللَّه الطائفة وقال : * ( [ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ] ) * وأدبه تعالى ذلك الصرف ليتوبوا إلى اللَّه ولا شكّ أنّهم أذنبوا لأنّهم خالفوا نصّ الرسول وصارت تلك المخالفة سببا لانهزام المسلمين وقتل جمع عظيم . قال الرازيّ : ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّه قد يعفو عن أصحاب الكبائر لأنّه تعالى عفا عنهم من غير توبة لأنّ التوبة غير مذكورة ، انتهى كلام الرازيّ . * ( [ وَاللَّه ُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ] ) * أي شأنه أن يتفضّل عليهم بالعفو أديل لهم أو أديل عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة . قوله : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 153 ] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّه ُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 153 ) . ولمّا قال سبحانه : « وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ » لا بدّ وأن يتعلَّق بأمر اقترفوه وذلك الأمر بيّنه بقوله : * ( [ إِذْ تُصْعِدُونَ ] ) * والمراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين * ( [ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ] ) * ولا تلتفتون من شدّة الهرب وأصل « اللوى » العرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابّته ، ويستعمل في ترك الالتفات إلى شيء ولا يعطف عليه ولا يبالي به . ثمّ قال : * ( [ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ] ) * كان صلَّى اللَّه عليه وآله يقول : يا عباد اللَّه إليّ أنا رسول اللَّه من كرّ فله الجنّة ، كان يدعوهم صلَّى اللَّه عليه وآله وهو واقف في آخرهم يقال : جاء فلان في أخريات الناس أي آخرهم لأنّ القوم بسبب الهزيمة قد تقدّموه . ثمّ قال : * ( [ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ] ) * ولفظ الثواب يستعمل على الأغلب في الخير ويجوز
--> ( 1 ) السورة : 155 .